طريقتكم المثلى
عندما تصبح العادة ديناً والجهل نظاماً
قال الله تعالى:﴿قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ (طه: 63).هل كان السحرة، أو قوم فرعون، أو علية القوم في مملكة فرعون على أحسن ما يكون حالاً من يومنا هذا؟
ماذا كان لديهم من وسائل العيش الرغيد مقارنة بما تملكه فئة الفقراء اليوم؟ لقد كانوا يتنقلون بالعربات (الكارو) التي تجرها الجياد ، وينامون على بسط نأنف اليوم أن نضعها على الأرض، ويعيشون في مشقة دائمة من كيفية إعداد طعام لسفر يستغرق أياماً، ويموتون بأتفه الأمراض.
فما كانت تلك العيشة الرغيدة، ونظام الحياة المثالي، ومنهج الحياة الذي أطلقوا عليه "طريقة مثلى"؟
إن وصف "المثلى" لم يكن يعكس جودة الحياة الحقيقية، بل كان دعاية سياسية يروجها الملأ لحماية مكتسباتهم، وألفة وهمية اعتادها الناس حتى ظنوها الكمال المطلق. هذا هو دائماً دأب الفئة القليلة المقربة من السلطة والمنتفعة من الفساد والجهل على مر الزمان؛ تلك الفئة التي تخشى دائماً من أي تغيير في أسلوب الحياة، أو أن يستجد طارئ يقدم أو يؤخر حتى ميعاد فنجان القهوة المعتاد!
فنجدهم وقد أقسموا على قلب رجل واحد على مر العصور بمحاربة أي جديد خشية على طريقة معيشتهم التي لا يبغون عنها حولاً، ويضحون بكل رخيص وغالٍ في سبيل ذلك.
وقد كانوا دائماً عقبة كؤوداً ضد الرسل والأنبياء، وقادةً في محاربتهم بشتى الطرق:
﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (الأعراف: 60).
﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ (الأعراف: 66).
﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف: 75).
﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ (الأعراف: 88).
﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ (الأعراف: 109).
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (23) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ...﴾ (المؤمنون: 23 - 24).
﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآَخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ (المؤمنون: 33).
﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آَلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ (ص: 6).
وقد كانت "الطريقة المثلى" على مر العصور هي بقاء الحال كما هو أيا ما كان، فالإنسان بطبعه عدو لكل جديد، حتى إن العقل يألف الشيء فينفذه يومياً دون تفكير طالما اعتاد عليه؛ حيث يميل العقل إلى أتمتة السلوكيات ليقوم بها بطريقة آلية، بينما يتطلب كل جديد تفكيراً وجهداً حتى يعتاده. بل إن الإنسان قد يتوقف لبرهة متسائلاً: هل فعلت ما أفعله يومياً أم لا؟!
لذلك كانت فحوى الرسالات السماوية على مر الزمن محاربة العادة وما ألفته النفس دون وعي أو تدبر:
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا...﴾ (البقرة: 170).
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا...﴾ (لقمان: 21).
﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ (الزخرف: 22).
﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ (الزخرف: 23).
﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ (الشعراء: 74).
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ (المائدة: 104).
﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: 28).
فيرى المدقق في الآيات أن لسان الحال واحد بين الملأ مالكي زمام الأمور المستفيدين من الأوضاع الآنية، وبين الجهلة من الشعوب عبّاد العادة والمنتصرين للنصف المليء من الكوب؛ أولئك الذين ينظرون لكل ما لديهم أنه الأفضل في العالم وأنهم أفضل من غيرهم.
وهنا يجب التمييز بدقة بين الرضا الإيماني بالنعم والزهد - وهو التوجيه النبوي الشريف بالنظر إلى من هو أسفل منا لعدم ازدراء نعم الله علينا - وبين التخدير الفكري والرضا بالجهل والاستبداد، وهو الاستغلال الفاسد لهذا المفهوم لإقناع الشعوب بأن واقعهم السيئ هو أفضل نظام، لضمان استسلامهم وعدم مطالبتهم بأي إصلاح.
فقد جاء الإسلام لمحاربة العادة أياً ما كانت، والتي تفعل بطريقة آلية لا تفكير فيها، حتى عادة الصلاة إن تحولت لمجرد حركات آلية بلا روح!
إن "الطريقة المثلى" التي دافع عنها الملأ في كل عصر، لم تكن إلا وهماً صنعته العادة، وغذاه الجهل، وحمته مصالح المنتفعين. لم تكن مثلى في جوهرها، بل كانت مجرد "ألفة" اعتادها الناس حتى صارت مقدسة. وجاءت الرسالات لتكسر هذا التقديس، وتنقذ الإنسان من عبودية العادة إلى تحرر الفكرة، ومن الجمود إلى التفكير والوعي. فالمعركة لم تكن يومًا بين نبي وساحر، بل بين وعي جديد ونظام قديم، بين فكر حيّ وعادة ميتة.
فاللهم ارزقنا ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
