فتح باب المطالبة بالتعويض حتى ولو لم يكن الحكم القضائى الجنائى نهائيا
التحليل والتعليق
تُمثّل
هذه الفتوى القانونية الصادرة عن الجمعية العمومية لقسمي الفتوى
والتشريع بمجلس الدولة المصري (الفتوى رقم 598 لسنة 2004) حجر زاوية في
تأصيل المسئولية التقصيرية عن الأشياء والآلات الميكانيكية، وتحديد أركان
المسئولية الشيئية وتداخلها مع مسئولية المتبوع عن أعمال تابعه.
تتضمن
الفتوى تأصيلاً نادراً يستقل فيه الحق في التعويض عن صيرورة الحكم الجنائي
نهائياً، مع بيان الآليات الحاكمة للتعويضات والالتزامات بين الجهات الإدارية.
تتلخص
الوقائع في اصطدام سيارة تابعة لهيئة النقل العام بالقاهرة بعمود إنارة مملوك
للهيئة العامة لنظافة وتجميل القاهرة، مما أحدث به تلفيات. وقد صدر حكم جنائي
غيابي بتغريم السائق. ولما طالبت هيئة النظافة بالتعويض، أثير دفع بكون الحكم
الجنائي لم يصبح نهائياً بعد، فضلاً عن الخلاف حول المصروفات الإدارية المضافة
لقيمة التلفيات.
أولاً: عدم اشتراط نهائية الحكم
الجنائي للرجوع بالتعويض الشيئي
تُعد
هذه الجزئية أهم ما أقرته الفتوى من الناحية العملية والإجرائية. فقد جرت العادة
في المسئولية عن الأعمال الشخصية أن يُنتظر حجية الحكم الجنائي النهائي لإثبات
الخطأ. لكن الفتوى فرقت بدقة بين المسئولية الشخصية والمسئولية الشيئية:
1. الخطأ المفترض في المسئولية الشيئية: استندت
الفتوى إلى المادة 178 من القانون المدني. فالمسئولية عن الأشياء والآلات
الميكانيكية لا تقوم على إثبات خطأ السائق (التابع)، بل تقوم على خطأ مفترض قانوناً في جانب حارس الشيء لمجرد وقوع الضرر
بفعل هذا الشيء.
2. استقلال دعوى التعويض عن الحكم الجنائي
النهائي:
دفع هيئة النقل العام بعدم نهائية الحكم الجنائي الصادر ضد السائق لا ينفي
المسئولية. فثبوت وقوع الضرر بفعل السيارة يكفي بذاته لإلزام الحارس بالتعويض، دون
حاجة لانتظار قطعية الحكم الجنائي، لأن الضرر الصادر من الشيء يفترض خطأ الحارس
مباشرة.
3. وسيلة الإعفاء الوحيدة:
لا ينفك الحارس من هذه المسئولية إلا بإثبات السبب الأجنبي (القوة
القاهرة، الحادث الفجائي، أو خطأ المضرور أو الغير)، وهو ما خلت الأوراق من
إثباته.
ثانياً: التمييز بين حراسة
الشيء والسيطرة المادية للتابع
أوضحت
الفتوى النطاق القانوني لرابطة التبعية وتوزيع الحراسة وفقاً للمادتين 174 و178 من
القانون المدني:
·
العنصر المعنوي للحراسة:
الحراسة المقتضية للمسئولية تتطلب سيطرة فعلية واستقلالاً بتوجيه الشيء لحساب
الشخص ولنفسه.
·
وضعية التابع:
التابع (السائق) وإن كانت له السيطرة المادية والفعيلة على السيارة أثناء القيادة،
إلا أنه يعمل لحساب متبوعه، ويأتمر بأوامره، ويتلقى تعليماته.
·
بقاء الحراسة للمتبوع:
هذا الخضوع يفقد التابع "العنصر المعنوي" للحراسة. وبناءً عليه، لا تنتقل الحراسة إلى التابع، ويبقى المتبوع (هيئة النقل
العام) هو الحارس القانوني وحده على السيارة، وتترتب المسئولية في مواجهته مباشرة
بصحيفة حراسته للشيء واستفادته من نشاطه.
ثالثاً: ضوابط التعويض بين
الجهات الإدارية وتكلفة التلفيات
وضعت
الفتوى حداً للنزاعات المالية بين الشخصيات الاعتبارية العامة والجهات الإدارية في
شأن تقدير عناصر التعويض:
1. الاقتصار على الضرر الفعلي المباشر:
يقتصر التعويض المستحق لجهة إدارية لدى جهة إدارية أخرى على القيمة الفعلية للتلفيات والأعمال الفنية اللازمة للإصلاح فقط
دون غيرها.
2. استبعاد المصروفات الإدارية: استناداً
للمادة 517 من اللائحة المالية للميزانية والحسابات، لا يجوز تحميل الجهات
الإدارية لبعضها بمصروفات إدارية، لأن المصروفات الإدارية لا تقابل خدمة حقيقية
فعيلة أُديت للجهة الأخرى.
3. استبعاد الفوائد التأخيرية وفوات الكسب:
لا يعوض بين الجهات الإدارية عن الكسب التالف أو الخسائر الاحتمالية غير المحققة،
وإنما يقتصر التعويض على ما أُنفِق بالفعل لإعادة الحال إلى ما كان عليه.
رابعاً: المبادئ القانونية
المستخلصة من الفتوى
1. ثبوت المسئولية الشيئية بدون حكم جنائي
نهائي:
مناط المسئولية عن الأشياء هو ثبوت الضرر الناجم عن الشيء، والخطأ فيها مفترض لا
يتوقف إثباته على نهائية الأحكام الجنائية الصادرة ضد الأشخاص.
2. انعدام الحراسة للتابع:
التابع لا يعتبر حارساً للشيء الذي يستخدمه لتأدية وظيفته لافتقاده العنصر المعنوي
للحراسة، وتظل الحراسة معقودة للمتبوع.
3. نفي المسئولية الشيئية حصر في السبب
الأجنبي:
لا يعفى حارس الآلات الميكانيكية من التعويض إلا إذا أثبت القوة القاهرة أو خطأ
المضرور أو خطأ الغير.
4. حظر تقاضي المصروفات الإدارية بين الأجهزة
الحكومية:
مناط التزام الجهات الإدارية بالتعويض المتبادل هو التكلفة الفعلية للإصلاح دون
إضافات شكليّة أو مصروفات إدارية.
خامساً: النتيجة والترتيب
المالي للفتوى
انتهت
الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع إلى إلزام هيئة النقل العام بالقاهرة بأن
تؤدي للهيئة العامة لنظافة وتجميل القاهرة مبلغ 1430 جنيهاً (موزعة بين
1300 جنيهاً تكلفة إصلاح فعلية، و130 جنيهاً نظير الأعمال الفنية)، مع استبعاد مبلغ 130 جنيهاً التي أضيفت سابقاً تحت مسمى مصروفات
إدارية لعدم سندها القانوني بين الجهات الإدارية.
- متى يكون الخطأ ثابت حتى ولو لم يكن الحكم الجنائى نهائيا
- مسئولية المتبوع عن أعمال تابعه
- مسئولية حارس الاشياء
- مثال عملى
موضوع الفتوى :