أحقية الموظف المحبوس احتياطيا فى إقتضاء كامل راتبه
الدعوى 98 لسنة 43 - دستورية - المحكمة الدستورية العليا - مرفوعة علنية تم الحكم بتاريخ 2026/03/08
فيما يلي التحليل القانوني
يُعتبر هذا
الحكم الصادر عن المحكمة الدستورية العليا في الدعوى رقم 98
لسنة 43 قضائية "دستورية" بتاريخ 7 مارس 2026، من الأحكام
الدستورية الهامة التي تنتصر لسيادة القانون وحماية حقوق الموظف العام ومفهوم
العدالة الاجتماعية والترضية القضائية.
فقد أزال الحكم
حائلاً تشريعياً كان يجبر الموظف العام المحبوس احتياطياً على تحمُّل اقتطاع نصف
أجره دون وجه حق رغم ثبوت براءته أو انتفاء مسؤوليته الجنائية بحكم نهائي أو قرار
قضائي بات.
تتلخص الواقعة
في إحالة المحكمة الإدارية لمحافظتي الإسكندرية ومرسى مطروح دعوى الموظف (مجدي عبد
الخالق هندي) – مأمور ضرائب حُبس احتياطياً ثم قُضي ببراءته بحكم نهائي – للفصل في
مدى دستورية نص المادة (61) من قانون الخدمة المدنية الملغى (القرار بقانون رقم 18
لسنة 2015) والمادة (64) من قانون الخدمة المدنية الحالي (القانون رقم 81 لسنة
2016). وقضت المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية نص الفقرة الأولى
من المادة (61) فيما تضمنته من حرمان الموظف المحبوس احتياطياً من نصف أجره
إذا انتهت المحاكمة بانتفاء مسؤوليته الجنائية، مع الإشارة إلى سابقة قضائها بعدم
دستورية المادة (64) المقابلة لها في القانون الحالي.
أولاً: الخلل التشريعي والافتراض المسبق
للإخلال الوظيفي
سجلت المحكمة
الدستورية العليا عواراً دستورياً شائباً للنص التشريعي المحال، ويرجع ذلك للأسباب
التالية:
1. إقامة قرينة قانونية خاطئة: أقام النص
التشريعي المحال قرينة قانونية قاطعة تعامل حرمان الموظف من نصف أجره كجزاء على
خروجه على مقتضى الواجب الوظيفي بمجرد حبسه احتياطياً، دون مراعاة لانعدام الرابطة
المنطقية بين الحبس الاحتياطي كإجراء إشرافي إجرائي وبين الإخلال الفعلي بالواجبات
الوظيفية.
2. إهدار أصل البراءة : أخل النص بأصل
البراءة المفترض دستوريةً في الإنسان (المادة 96 من الدستور)؛ إذ إن الحبس
الاحتياطي ليس عقوبة ولا جُرم، وافتراض البراءة يظل كامناً ومصاحباً للمواطن حتى
يصدر حكم بات بالإدانة، فإذا انتفت المسؤولية الجنائية بحكم نهائي وجب محو كافة
الآثار المالية والسلبية الناجمة عن هذا الحبس.
3. افتشار التفويض التشريعي لضمانات الوظيفة
العامة: يُعد حرمان
الموظف من أجره رغم كون انقطاعه عن العمل لسبب خارج عن إرادته (الحبس الاحتياطي)
تفريطاً في التزام الدولة بكفالة حقوق شاغلي الوظائف العامة وحمايتهم (المادة 14
من الدستور)، وإهداراً لقاعدة أن الأجر يتقرر لسد الاحتياجات الاجتماعية والأسرية
للموظف.
ثانياً: التداعيات والمستحقات المترتبة على
قضاء عدم الدستورية
يترتب على هذا
القضاء آثار مالية ووظيفية مباشرة في جميع النزاعات والطلبات المماثلة:
·
إنهاء الخصومة وتأكيد الحجية المطلقة: استندت المحكمة
إلى سابقة قضائها في الدعوى رقم 100 لسنة 43 ق "دستورية" (الخاصة
بالمادة 64 من القانون 81 لسنة 2016) للتقرير بانتهاء الخصومة بشأن القانون
الحالي، وقضت بالمثل للمادة (61) من القانون السابق لشمول المراكز القانونية
واستمرار آثارها خلال فترة تطبيق القرار بقانون 18 لسنة 2015.
·
إلزام الجهات الإدارية بالرد الفوري: أصبح من حق
كافة الموظفين الذين تم استقطاع نصف أجورهم أثناء فترة الحبس الاحتياطي – وثبتت
براءتهم أو تقرر حفظ القضايا بحقهم بأمر لا يجوز الطعن عليه – استرداد الأجور
المحرومين منها فوراً.
·
اعتبار الأجر المردود جزءاً من التعويض: اعتبرت المحكمة
أن استرداد الموظف لنصف أجره المحروم منه يُعد بمثابة تعويض عن الخسارة المادية
التي لحقت به تنفيذاً للمادة (54) من الدستور، مع عدم الإخلال بحقه في المطالبة
بباقي عناصر التعويض وفقاً للقواعد العامة وقانون الإجراءات الجنائية.
ثالثاً: فتح باب التعويض وإقرار المسؤولية
المادية للدولة
تضمن الحكم
أبعاداً هامة تخص التزام الدولة بجبر الأضرار المادية والأدبية:
1. الارتباط الدستوري بالتعويض عن الحبس
الاحتياطي: ربطت المحكمة
بين استرداد الأجر المقتطع وبين المبدأ المستحدث في المادة (54) من دستور 2014
والذي ألزم الدولة بالتعويض عن الحبس الاحتياطي عند انتفاء المسؤولية الجنائية.
2. العدوان على الملكية الخاصة وحق التقاضي: قررت المحكمة
أن حرمان الموظف من استرداد أمواله المستحقة يمثل عدواناً على حماية الملكية
الخاصة (المادتين 33 و35 من الدستور)، ومساساً بحقه في الحصول على الترضية
القضائية الكاملة وإعمال حق الدفاع (المواد 97 و98 من الدستور).
3. المسؤولية التقصيرية للجهة الإدارية: رفض صرف الأجور
المقتطعة بعد ثبوت البراءة يشكل خطأً إدارياً يستوجب إلزام الجهة الإدارية بـ أداء
المبالغ المقتطعة مع الفوائد القانونية إن وجدت، بجانب حق الموظف في رفع دعاوى
تعويض مستقلة أمام القضاء الإداري أو المدني عن الأضرار المعنوية والمهنية التي
أصابته.
رابعاً: المبادئ القانونية والدستورية
المستخلصة من الحكم
أكد الحكم وأرسى
ثمانية مبادئ دستورية حاكمة:
1. الترضية القضائية كغاية للتقاضي: حق التقاضي لا
يكتمل إلا بالوصول إلى الترضية القضائية التي تجبر الأضرار؛ وأي قيد تشريعي يعطل
استعادة الحقوق المالية بعد البراءة يُعد هادماً لهذا الحق.
2. الأجر يرتبط بالإمكانية لا فقط بالعمل
الفعلي: حرمان الموظف
من أداء عمله بسبب الحبس الاحتياطي يعتبر انقطاعاً لسبب أجنبي خارج عن إرادته،
ومتى ثبتت براءته يُعد كان مستعداً ومهيأً للعمل، فيستحق أجره كاملاً.
3. لا قرائن قاطعة على الإخلال الوظيفي بمجرد
الاتهام: لا يجوز
للتشريع أن يفترض ثبوت الخطأ التأديبات أو الوظيفي بحكم القانون لمجرد اتخاذ إجراء
إشرافي كالحبس الاحتياطي.
4. حجية الأحكام الدستورية المطلقة: الأحكام
الصادرة من المحكمة الدستورية العليا لها حجية مطلقة في مواجهة جميع السلطات
والكافة (المادة 195 من الدستور)، وتمنع إعادة طرح ذات المسألة المقضي فيها.
5. استمرار الرقابة الدستورية على القوانين
الملغاة ذات الأثر: تحتفظ المحكمة بولايتها لبسط الرقابة الدستورية على
النصوص والقرارات بقوانين الملغاة أو التي لم يقرها البرلمان طالما ما زالت تُطبق
على مراكز قانونية وقضايا مطروحة أمام القضاء.
6. السرية والحماية الدستورية للملكية: الحقوق المالية
والأجور المكتسبة للموظف تندرج تحت حماية الملكية الخاصة ولا يجوز الانتقاص منها
بغير سند مشروع.
7. العدالة أصل التشريع: إذا زاغ
التشريع عن تحقيق مفهوم العدالة (المادة 4 من الدستور) وأهدر التوازن بين سلطة
الدولة وحقوق الأفراد، وجب إبطاله وإلغاؤه.
8. الأثر المباشر لبراءة الموظف: البراءة
القضائية تجرف بكافة الآثار والتخفيضات المالية المعلقة على الاتهام، وتوجب إعادة
الحال إلى ما كان عليه قبل الاتهام.
خامساً: النتيجة والآثار النهائية
يضع هذا الحكم
الحد النهائي للتعسف الإداري المالي ضد الموظفين العموميين الصادر بحقهم قرارات أو
أحكام نهائية بالبراءة أو حفظ التحقيق؛ إذ يفرض على كافة الوزارات والمصالح
الحكومية والهيئات العامة رد كامل الأجور المقتطعة (النصف المقتطع) خلال فترات
الحبس الاحتياطي فور تقديم الحكم النافي للمسؤولية الجنائية. كما يمنح المحاكم
الإدارية سلطة الحكم المباشر بإلزام الجهات الإدارية بالصرف مع التعويض، تطبيقاً
لإعلاء مبدأ الشريعة الدستورية وسيادة القانون.
الموضوع:
مطالبا نفاذًا لحكم المحكمة الإدارية لمحافظتي الإسكندرية ومرسى مطروح، الصادر بجلسة 24/4/2021، بوقف الدعوى، وإحالة أوراقها إلى المحكمة الدستورية العليا، للفصل في دستورية نص المادة (61) من قانون الخدمة المدنية الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 18 لسنة 2015، ونص المادة (64) من قانون الخدمة المدنية الصادر بالقانون رقم 81 لسنة 2016.
منطوق الحكم:
حكمت المحكمة بعدم دستورية نص الفقرة الأولى من المادة (61) من قانون الخدمة المدنية الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 18 لسنة 2015، فيما تضمنه من حرمان الموظف الذي يُحبس احتياطيًّا من نصف أجره عن مدة حبسه، في مجال سريانه على حالات انتفاء المسئولية الجنائية بحكم نهائي أو قرار قضائي لا يجوز الطعن عليه.
التشريع:
مبدأ :
إتخاذ ﺣﺑس اﻟﻣوظف اﺣﺗﯾﺎطﯾﺎ ﻗرﯾﻧﺔ ﻗﺎﻧوﻧﯾﺔ ﻗﺎطﻌﺔ ﻋﻠﻰ ﺛﺑوت إﺧﻼﻟﮫ ﺑﺎﻟﺗزاﻣﮫ اﻟوظﯾﻔﻲ، دون ﻣراﻋﺎة ﻻﻧﺗﻔﺎء اﻟراﺑطﺔ اﻟﻣﻧطﻘﯾﺔ ﺑﯾن اﻷﻣرﯾن عدم دستورية