ما هى الادلة المتساندة وكيف توجة القاضى فى حكمه ؟
هل يمكن الحكم بالادانة رغم عدم وجود شهود او أدلة ؟!!
تُعتبر الأحكام الجنائية الصادرة عن محكمة النقض بمثابة المنارات التي تهتدي بها المحاكم الأدنى درجة، حيث تضع القواعد والأسس التي تضمن القضاء بالعدل الناجز مع حماية حقوق المتهم، وتحقيق التوازن بين حق المجتمع في العقاب وحق الفرد في محاكمة عادلة. ويستعرض هذا المقال مبدأ جنائياً رصيناً يتعلق بـ «الأدلة المتساندة» وكيفية توجيهها لعقيدة القاضي، مع الإجابة عن مدى إمكانية الحكم بالإدانة رغم غياب شهود الرؤية أو الأدلة المادية المباشرة، متخذين من الحكم المنشور نموذجاً وتطبيقاً عملياً.
أولاً: مفهوم الأدلة المتساندة وكيفية توجيهها لعقيدة القاضي
يقصد بـ «الأدلة المتساندة» في المواد الجنائية أن الأدلة المطروحة في الدعوى لا يُنظر إلى كل منها بمعزل عن الآخر، بل تُقرأ وتُقيم بوصفها وحدة واحدة متكاملة. فالقاضي الجنائي لا يتطلب منه القانون أن يجد في كل دليل بمفرده حجة قاطعة ومستقلة على ارتكاب الجريمة بكافة أركانها، بل يكفي أن تكون الأدلة بمجموعها تؤدي إلى نتيجة منطقية وسائغة تقود إلى اقتناع المحكمة.
كيف توجه الأدلة المتساندة المحكمة في حكمها؟
بناء العقيدة الاستقراءية: يستجمع القاضي القرائن، الشواهد، أقوال المجني عليه، التقرير الطبي، وتحريات المباحث، ليصنع منها سجادة متماسكة من الوقائع تُشكّل عقيدته ووجدانه.
التكامل وسد الثغرات: قد يكون التقرير الطبي وحده مسجلاً لإصابة المجني عليه دون تحديد الفاعل، وقد تكون التحريات وحدها مجرد رأي لمجريها، لكن عند ضم التقرير الطبي إلى التحريات وإلى أقوال المجني عليه، تتساند هذه الأدلة لتعزز بعضها البعض وتؤكد صحة الواقعة وإسنادها للمتهم.
حرية الاقتناع القضائي: تتمتع محكمة الموضوع بالحرية المطلقة في تقدير الدليل، ولها أن تأخذ بما تطمئن إليه وتطرح ما يخالفه، طالما أن استخلاصها كان سائغاً ومستنداً إلى أصل صحيح في الأوراق.
ثانياً: هل يمكن الحكم بالإدانة رغم عدم وجود شهود رؤية أو أدلة قاطعة؟
الجواب: نعم، وبشكل قاطع.
إن القضاء الجنائي يختلف عن القضاء المدني؛ فهو يتأسس على مبدأ حرية الإثبات الجنائي. فلا يشترط القانون وجود "شاهد رؤية" أبصر الجريمة لحظة وقوعها، ولا تطلب وجود أدلة مادية قاطعة كضبط المسروقات أو السلاح المستعمل في حوزة المتهم وقت القبض عليه.
وذلك يعود للأسباب التالية:
طبيعة الجرائم الجنائية: غالباً ما تُرتكب الجرائم -وخاصة جريمتا السرقة بالإكراه والسرقة ليلاً- في ظروف جنح الليل وبعيداً عن أعين الناس، مما يجعل الاشتراط المسبق لوجود شاهد رؤية إهداراً لحق المجتمع وسبيلاً لإفلات المجرمين من العقاب.
كفاية القرائن والأدلة الظرفية: يكفي أن تتوافر في الدعوى قرائن قوية ومتضافرة تؤدي في مجموعها إلى استنتاج ارتكاب المتهم للجريمة بشكل لا يدع مجالاً للشك المعقول.
ثالثاً: تحليلات وتطبيقات عملية من الحكم القضائي
يُجسد الحكم الصادر عن محكمة النقض (في الطعن رقم 21057 لسنة 95 القضائية) هذه المبادئ القانونية المستقرة بشكل جلي عبر عدة محاور:
1. إثبات جريمة السرقة بالإكراه
أكدت المحكمة أن دمج أقوال المجني عليه مع التقرير الطبي الذي أثبت الإصابات، يُعد تسانداً أدلياً كافياً لإثبات ركن الإكراه والأثر الجسدي المترتب عليه، حتى وإن دفع المتهم بعدم ضبط المسروقات معه أو بعدم تواجده في مسرح الجريمة (دفع عدم التواجد). فالنفي مجرد دفاع موضوعي يستفاد رده ضمناً من أدلة الإدانة.
2. القيمة القانونية لتحريات الشرطة
أوضحت المحكمة أن تحريات المباحث تُعد قرينة معززة للمحكمة أن تعول عليها، ولا يعيبها عدم الإفصاح عن مصدرها السرّي؛ إذ ينحصر تقدير جديتها في السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع.
3. عدم بطلان الإجراءات لعدم استجواب المتهم
بيّنت المحكمة نصاً إجرائياً هاماً، وهو أن عدم استجواب المتهم في التحقيقات الابتدائية لا يترتب عليه بطلان الدعوى أو الإجراءات؛ إذ يجوز رفع الدعوى العمومية دون سؤال المتهم، ناهيك عن عدم جواز إثارة هذا الدفع لأول مرة أمام محكمة النقض.
ختاماً
يُبرز هذا القضاء الرصيد الفكري للقضاء الجنائي؛ حيث إن «الأدلة المتساندة» هي أداة القاضي للوصول إلى الحقيقة الموضوعية. فالإدانة لا تتطلب بالضرورة رؤية بالعين المجردة أو اعترافاً صريحاً، بل تقوم على اقتناع وجداني يقيني يستخلص المحكم من مجموع ظروف الدعوى وقرائنها المتناسقة، بما يحقق العدالة ويصون أمن المجتمع.
تلخيص المبدأ
قضت المحكمة بإدانة الطاعن في جريمة السرقة بالإكراه وحيازة سلاح أبيض دون مبرر قانوني، مؤكدة أن المحكمة تستخلص إدانتها من الأدلة الموضوعية والشهادات التي تطمئن إليها، ولا يلزم وجود شهود رؤية أو دليل قاطع، كما أن من حق المحكمة تقدير جدية التحريات والأدلة التي أوردها الدفاع.
المبدأ
تقدير الأدلة والشهادات: لمحكمة الموضوع حرية تقدير الأدلة والشهادات، ويمكنها قبول الأدلة التي تقتنع بها دون الحاجة لشهادات رؤية أو أدلة قاطعة.
عدم ضرورة استجواب المتهم في التحقيق: عدم استجواب المتهم في مرحلة التحقيق لا يبطل الدعوى الجنائية أو الإجراءات القانونية.
إثارة الدفوع أمام محكمة النقض: لا يمكن للمتهم أن يثير دفوعًا جديدة أمام محكمة النقض، بل يجب أن تكون واضحة ومحددة في أسباب الطعن.
تقدير جدية التحريات: تحريات الشرطة تعتبر من الأدلة الموضوعية التي يمكن لمحكمة الموضوع أن تعول عليها في الإدانة حتى في حال عدم كشف مصدرها.
عدم الحاجة لشهادة شاهد رؤية: ليس من الضروري وجود شهادة شهود رؤية لإثبات جريمة السرقة بالإكراه، إذ يمكن استناد المحكمة إلى ظروف الدعوى وقرائنها.
رد المحكمة على الدفوع: المحكمة ليست ملزمة بالرد تفصيليًا على كل دفع يقدمه الدفاع إذا كان الرد مستفادًا من الأدلة التي استندت إليها المحكمة في حكمها.
تقييم التناقض في الشهادات: إذا اطمأنت المحكمة إلى شهادة شهود الإثبات وأدلتهم، فإن التناقض في أقوالهم لا يؤثر على سلامة الحكم طالما كان هناك استنتاج منطقي وسائغ من أقوالهم.
الإثبات بالأدلة المتساندة: الأدلة في القضايا الجنائية متساندة، ويكفي أن تكون الأدلة مجتمعة منتجة في اقتناع المحكمة دون التركيز على كل دليل بمفرده.
عدم الرد على جميع الدفوع: إذا كانت الأدلة كافية لإثبات الجريمة، فلا يعيب الحكم عدم الرد على كل دفعة خاصة أو تفصيلية من المتهم.
نص الحكم:
باسم الشعب
محكمة النقض
الدائرة الجنائية
دائرة الأربعاء (ب)
المؤلفة برئاسة السيد القاضي / صفوت مكادي " نائب رئيس المحكمة "
والسادة القضاة / محمد أبو السعود ، أحمد عمران
أحمد مصطفي عبد الفتاح ، جورج اميل الطويل
نواب رئيس المحكمة
وحضور رئيس النيابة العامة لدى محكمة النقض السيد / محمود سليمان .
وأمين السر السيد / أحمد لبيب .
في الجلسة المنعقدة بمقر المحكمة بدار القضاء العالي بمدينة القاهرة .
في يوم الأربعاء 7 من رمضان سنة 1447 ه الموافق 25 من فبراير سنة 2026م .
في الطعن المقيد في جدول المحكمة برقم 21057 لسنة 95 القضائية .
المرفوع من
... "محكوم عليه – طاعن"
ضد
النيابة العامة "مطعون ضدها"
" الوقائع "
اتهمت النيابة العامة الطاعن وآخر في الجناية رقم ١٨٣٦٥ لسنة ۲۰۲٤ مركز طوخ (المقيدة برقم ٢٧٤٧ لسنة ۲۰۲٤ كلى شمال بنها) .
بوصف أنه وآخر سبق الحكم عليه في يوم 7 من يونيو سنة 2024 - بدائرة مركز طوخ - محافظة القليوبية :
سرقوا المعدة ( كسارة بلاستيك ) والدراجة الآلية والهاتف المحمول المبينين قدرا ووصفا بالأوراق والمملوكين للمجنى عليه / ... بطريق الإكراه الواقع عليه والتارك لأثر جروح به وكان ذلك ليلا حال حملهم لأسلحة محل التهم الثانية بأنهم وما أن ظفروا به بمكان الواقعة حتى تعدوا عليه ضربا محدثين إصابته الموصوفة بالتقرير الطبي المرفق وتمكنوا بتلك الوسيلة القسرية من شل مقاومته والاستيلاء على المسروقات وذلك على النحو المبين بالتحقيقات .
حازوا وأحرزوا أداة ( عصا - حبل ) مما تستخدم في الاعتداء على الأشخاص دون مسوغ قانوني أو مبرر من الضرورة الشخصية أو الحرفية .
حازوا وأحرزوا بغير ترخيص سلاحا أبيض ( مطواة ) .
وأحالته إلى محكمة جنايات بنها لمعاقبته طبقا للقيد والوصف الواردين بأمر الإحالة .
والمحكمة المذكورة قضت حضوريا في ۱۲ من أبريل سنة ۲۰۲٥ عملا بنص المادتين 314 ، 316 من قانون العقوبات ، والمواد ۱/۱ ، ۲5 مكرر/1 ، 30/1 من القانون رقم ٣٩٤ لسنة ١٩٥٤ المعدل بالقوانين أرقام ١٦٥ لسنة ۱۹۸۱ ، 5 لسنة ۲۰۱۹ ، ١٦۳ لسنة ٢٠٢٢ والبندين رقمي (5 ، 7) من الجدول رقم 1 الملحق . وبإعمال نص المادة 32/2 من قانون العقوبات . بمعاقبة / ... بالسجن المشدد لمدة ثلاث سنوات عما أسند اليه والزمته بالمصاريف .
فاستأنف المحكوم عليهم هذا الحكم وقيد الاستئناف برقم ۱۰۳۲ لسنة ٢٠٢٥ جنايات مستأنف بنها .
ومحكمة الجنايات المستأنفة قضت حضوريا بجلسة ٢٥ من أغسطس سنة ٢٠٢٥ بقبول الاستئناف شكلا ، وفى الموضوع برفضه وبتأييد الحكم المستأنف وبإلزام المستأنف بالمصاريف .
فطعن المحكوم عليه في هذا الحكم بطريق النقض .
وبجلسة اليوم سمعت المحكمة المرافعة على ما هو مبين بمحضر الجلسة .
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذي تلاه السيد القاضي المقرر والمرافعة وبعد المداولة قانونا .
حيث إن الطعن استوفي الشكل المقرر قانونا .
وحيث إن الطاعن ينعى على الحكم المطعون فيه أنه إذ دانه بجريمتي السرقة بالإكراه الذي ترك أثر جروح ليلا مع التعدد وحمل السلاح ، وإحراز أدوات مما تستخدم في الاعتداء على الأشخاص وسلاح أبيض بغير مسوغ من الضورة الشخصية أو الحرفية ، قد شابه القصور في التسبيب ، والفساد في الاستدلال ، والإخلال بحق الدفاع ، ذلك بأن اعتوره الغموض والإبهام فلم يبين الواقعة المستوجبة للعقوبة بيانا تتحقق به أركان الجرائم التي دانه بها والظروف التي وقعت فيها والأدلة التي عول عليها في إدانته في بيان واف ، ولم يبين دوره في ارتكاب الواقعة ، ولم يبين أركان جريمة السرقة بالطريق العام مع حمل السلاح ، وعول في الإدانة على أقوال المجني عليه واعتنق تصويره للواقعة رغم عدم معقوليتها ، وتناقض أقواله بمحضر جمع الاستدلالات عنها بتحقيقات النيابة العامة وعدوله عنها بمحضر جلسة المحاكمة ، مطرحا دفعه بعدم تواجده على مسرح الواقعة أو ضبط ثمة متعلقات تخص الجريمة معه ، وانتفاء صلته بها ، وكيدية الاتهام وتلفيقه ، كما عول على تحريات الشرطة رغم عدم جديتها وعدم الإفصاح عن مصدرها وأنها لا تعدو أن تكون رأيا لمجريها يحتمل الصدق والكذب ورد علي الدفع بعدم جديتها بما لا يصلح ردا ، مما ينبئ عن أن الحكم قد بنى قضاءه على الفرض والاحتمال ، ودانه رغم عدم وجود شاهد رؤية ، وأنه قدم للمحاكمة الجنائية دون سؤاله بالتحقيقات ، وأغفل الحكم دفوعه بمحضر الجلسة ، وشابه الخطأ في الإسناد ومخالفة الثابت في الأوراق ، كل ذلك مما يعيبه ويستوجب نقضه .
حيث إن الحكم المستأنف المؤيد لأسبابه والمكمل بالحكم المطعون فيه بين واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجريمتين اللتين دان الطاعن بهما وأورد على ثبوتهما في حقه أدلة مستمدة من أقوال المجني عليه ، وأقوال وشهود الإثبات ، وتحريات المباحث وأقوال مجريها ، وما ثبت من التقرير الطبي الصادر من مستشفى طوخ المركزي . لما كان ذلك ، وكانت المادة٣10 من قانون الإجراءات الجنائية قد أوجبت في كل حكم بالإدانة أن يشتمل على بيان الواقعة المستوجبة للعقوبة بيانا تتحقق به أركان الجريمة التي دان الطاعن بها والظروف التي وقعت فيها والأدلة التي استخلصت منها المحكمة ثبوت وقوعها منه ، وكان يبين مما سطره الحكم المستأنف المؤيد لأسبابه والمكمل بالحكم المطعون أنه بين واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجريمتين التين دان الطاعن بهما ، وأورد مؤدى أدلة الثبوت التي عول عليها في إدانة الطاعن في بيان واف يكفي للتدليل على ثبوت الصورة التي اقتنعت بها المحكمة واستقرت في وجدانها ، وجاء استعراض المحكمة لأدلة الدعوى على نحو يدل على أنها محصتها التمحيص الكافي وألمت بها إلماما شاملا يفيد أنها قامت بما ينبغي عليها من تدقيق البحث لتعرف الحقيقة ، وكان من المقرر أن القانون لم يرسم شكلا أو نمطا يصوغ فيه الحكم بيان الواقعة المستوجبة للعقوبة والظروف التي وقعت فيها ، ومتى كان مجموع ما أورده الحكم كافيا في تفهم الواقعة بأركانها وظروفها حسبما استخلصتها المحكمة - كما هو الحال في الدعوى الراهنة - فإن ذلك يكون محققا لحكم القانون فإن ما يثيره الطاعن في هذا الشأن لا يكون له محل . لما كان ذلك ، وكان تحصيل المحكمة للواقعة في حدود الدعوى المطروحة قد جاء وافيا في شأن بيان الأفعال المادية التي أتاها كل من الطاعن والمحكوم عليه الآخر بما يفصح عن الدور الذي قام به كل منهما في ارتكاب الجريمة التي دانه بها ، فإن ما يثيره الطاعن في هذا الخصوص يكون على غير أساس . لما كان ذلك ، وكان الحكم لم يدن الطاعن بجريمة السرقة بالطريق العام مع حمل سلاح ، فإن ما يثيره في هذا الشأن يكون واردا على غير محل . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن لمحكمة الموضوع أن تستمد اقتناعها بثبوت الجريمة من أي دليل تطمئن إليه طالما أن هذا الدليل له مأخذه الصحيح من الأوراق ، وكان حق محكمة الموضوع أن تستخلص من أقوال الشهود وسائر العناصر المطروحة أمامها على بساط البحث الصورة الصحيحة لواقعة الدعوى حسبما يؤدى إليه اقتناعها وأن تطرح ما يخالفها من صور أخرى ما دام استخلاصها سائغا مستندا إلى أدلة مقبولة في العقل والمنطق ولها أصلها في الأوراق ، وأن وزن أقوال الشهود وتقدر الظروف التي يؤدون فيها شهادتهم وتعويل القضاء على أقوالهم مهما وجه إليها من مطاعن وحام حولها من الشبهات كل ذلك مرجعه إلى محكمة الموضوع تنزله المنزلة التي تراها وتقدره التقدير الذي تطمئن إليه ، وهي متى أخذت بشهادتهم فإن ذلك يفيد أنها أطرحت جميع الاعتبارات التي ساقها الدفاع لحملها على عدم الأخذ بها ، وأن تناقض الشاهد أو اختلاف رواية شهود الإثبات في بعض تفاصيلها لا يعيب الحكم ولا يقدح في سلامته ما دامت المحكمة قد استخلصت الحقيقة من أقوالهم استخلاصا سائغا لا تناقض فيه - كما هو الحال في الدعوى الراهنة - ، كما أن لمحكمة الموضوع أن تأخذ بأقوال الشاهد في أية مرحلة من مراحل الدعوى ولو خالفت أقواله أمامها ، وأنه لا يشترط في شهادة الشاهد أن تكون واردة على الحقيقة المراد إثباتها بأكملها وبجميع تفاصيلها على وجه دقيق ، بل يكفي أن يكون من شأن تلك الشهادة أن تؤدى إلى هذه الحقيقة باستنتاج سائغ تجريه محكمة الموضوع يتلاءم به ما قاله الشاهد بالقدر الذي رواه مع عناصر الإثبات الأخرى المطروحة أمامها ، وأنه لا يشترط أن تكون الأدلة التي يركن إليها الحكم بحيث ينبئ كل دليل منها ويقطع في كل جزئية من جزئيات الدعوى ، إذ الأدلة في المواد الجنائية متساندة يكمل بعضها بعضا ومنها مجتمعة تتكون عقيدة المحكمة فلا ينظر إلى دليل بعينه لمناقشته على حده دون باقي الأدلة بل يكفي أن تكون الأدلة في مجموعها كوحدة مؤدية إلى ما قصده الحكم منها ومنتجة في اقتناع المحكمة واطمئنانها إلى ما انتهت إليه ، وكان الحكم المطعون فيه قد كشف عن اطمئنانه إلى أقوال المجني عليه وأقوال شهود الإثبات واقتناعه بوقوع الحادث على الصورة التي شهدوا بها ، فإن ما يثيره الطاعن من منازعة حول تصوير المحكمة للواقعة أوفي تصديقها لأقوال المجني عليه وأقوال شهود الإثبات أو محاولة تجريحها ينحل إلى جدل موضوعي في تقدير الدليل وهو ما تستقل به محكمة الموضوع ولا تجوز مجادلتها فيه أو مصادرة عقيدتها بشأنه أمام محكمة النقض . لما كان ذلك ، وكان الدفع بعدم الوجود على مسرح الواقعة ، أو ضبط ثمة متعلقات تخص الجريمة معه ، وانتفاء صلته بها ، وكيدية الاتهام وتلفيقه ، مردودا بأن نفي التهمة من أوجه الدفاع الموضوعية التي لا تستأهل ردا طالما كان الرد مستفادا من أدلة الثبوت التي أوردها الحكم ومن ثم فلا علي محكمة الموضوع إن هي لم ترد في حكمها علي تلك الدفوع أو أن تكون قد ردت عليها إجمالا ، ومن ثم فإن النعي علي الحكم في هذا الخصوص يكون غير قويم . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن تقدير جدية التحريات هو من المسائل الموضوعية التي تخضع لإشراف محكمة الموضوع ، وأن للمحكمة أن تعول في تكوين عقيدتها على ما جاء بتحريات الشرطة باعتبارها قرينة معززة لما ساقته من أدلة أساسية ولا يعيب تلك التحريات ألا يفصح عن مصدرها أو عن وسيلته في التحري ، وإذ كانت الأدلة والاعتبارات والقرائن التي أورده الحكم من شأنها أن تؤدي إلي ما رتبه الحكم عليها من ثبوت مقارفة الطاعن للجريمة التي دين بها ، فإن ما يثيره الطاعن في هذا الصدد يكون علي غير أساس . لما كان ذلك ، وكان الحكم المطعون فيه قد أطرح الدفع بعدم جدية التحريات استنادا إلي اطمئنان المحكمة إلي صحه الإجراءات التي أجرها الضابط الذي أجري التحريات وجديتها وهو ما يعد كافيا علي ما أثاره الطاعن في هذا الخصوص ويكون النعي علي الحكم في هذا الشأن في غير محله . لما كان ذلك ، وكانت محكمة الموضوع قد أقامت قضاءها على ما اقتنعت به من أدلة ترتد إلى أصل صحيح في الأوراق واستخلصت في منطق سائغ صحة إسناد التهمة إلى الطاعن ، وكان قضاؤها في هذا الشأن مبنيا على عقيدة استقرت في وجدانها ولم يكن حكمها مؤسسا على الفرض والاحتمال حسبما يذهب إليه الطاعن فإن ما يثيره في هذا الخصوص لا يخرج عن كونه جدلا موضوعيا لا يجوز إثارته أمام محكمة النقض . لما كان ذلك ، وكان لا يشترط لثبوت جريمة السرقة بالإكراه ومعاقبة مرتكبها وجود شهود رؤية أو قيام أدلة معينة بل للمحكمة أن تكون اعتقادها بالإدانة في تلك الجريمة من كل ما تطمئن إليه من ظروف الدعوى وقرائنها ، ومتى رأت الادانة كان لها أن تقضى على مرتكبها بالعقوبة الواجب تطبيقها علية ، دون حاجة إلى شهادة شاهد رؤيه حال وقوع الفعل منه أو اقراره بوقوع الفعل، ومن ثم فان ما ينعاه الطاعن على الحكم في هذا الصدد يكون علي غير أساس . لما كان ذلك ، وكان البين من محاضر جلسات المحاكمات أن الطاعن أو المدافع عنه لم يثيرا شيئا بخصوص عدم استجوابه في التحقيقات ، فإنه لا يحق له من بعد أن يثير شيئا من ذلك لأول مرة أمام محكمة النقض ، إذ هو لا يعدو أن يكون تعييبا للإجراءات السابقة على المحاكمة مما لا يصح أن يكون سببا للطعن في الحكم ، هذا فضلا عن أن عدم سؤال المتهم في التحقيق لا يترتب عليه بطلان الإجراءات ، إذ لا مانع في القانون يمنع من رفع الدعوى العمومية بدون استجواب المتهم أو سؤاله. ومن ثم فإن منعى الطاعن في هذا الصدد يكون غير سديد . لما كان ذلك ، وكان يتعين لقبول وجه الطعن أن يكون واضحا محددا مبينا به ما يرمي إليه مقدمه حتى يتضح مدى أهميته في الدعوى المطروحة وكونه منتجا مما تلتزم محكمة الموضوع بالتصدي له إيرادا له وردا عليه، وكان الطاعن لم يكشف بأسباب الطعن عن أوجه الدفاع والدفوع التي لم ترد عليها المحكمة ، ووجه مخالفه الحكم للثابت بالأوراق ، والخطأ في الإسناد ، بل جاء قوله مرسلا مجهلا فإن النعي على الحكم في هذا المقام يكون غير مقبول . لما كان ما تقدم فان الطعن يكون علي غير أساس متعينا رفضه
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة: بقبول الطعن شكلا ، ورفضه موضوعا .
أمين السر رئيس الدائرة