خطأ شائع يرتكبه المحامون أثناء مناقشة الشهود: هل يحق للقاضي وحده سؤالهم؟
الفرق بين ابداء السؤال وتوجيهه
من الأوهام الإجرائية المستقرة في أذهان كثير من المحامين -بل وبعض
الممارسين للعمل القضائي- الاعتقاد بأن القاضي هو صاحب الحق المطلق والوحيد في
استجواب الشهود، وأن دور المحامي لا يتعدى مجرد التفرج أو الاستماع. هذا الفهم
الخاطئ يضيع على الخصوم ضمانات جوهرية قررها القانون؛ فالشهادة وسيلة إقناع
وتفنيد، وليست مجرد إجراء شكلي تديره المنصة بمفردها.
لقد رسم المشرع في المادتين 87 و89 من قانون الاثبات خطة إجرائية محكمة توازن بين
حق الخصوم الأصيل في استجواب الشهود، ودور المحكمة التعقيبي والمنظم.
أولاً: الترتيب الإلزامي لسماع الشهود (حق الخصوم لا المحكمة)
على عكس المعتقد الشائع بأن القاضي يبدأ بسؤال الشاهد كيفما يشاء، وضعت
المادة 87 ترتيباً تعاقبياً إلزامياً لا يجوز للمحكمة أو الخصوم تخطيه، حيث تنص
صراحة على أنه:
"يكون توجيه الأسئلة إلى الشاهد من المحكمة أو القاضى المنتدب ويجيب الشاهد
أولا عن أسئلة الخصم الذى أستشهد به ثم عن أسئلة الخصم الآخر دون أن يقطع أحد
الخصوم كلام الآخر أو كلام الشاهد وقت أداء الشهادة".
هذا النص يقرر مرتبتين متتاليتين للاستجواب الفعلي:
- المرتبة الأولى (خصم الاستشهاد أولاً): يبدأ
الاستجواب حتماً وحصراً بأسئلة الخصم الذي استدعى الشاهد وتمسك بسماع أقواله.
هذا الحق يعطيه المشرع للمحامي أولاً ليبني خطة إثباته ويستخلص رواية شاهده
كاملة دون تدخّل من أحد.
- المرتبة الثانية (الخصم المواجه ثانياً): بعد
انتهاء الطرف الأول تماماً، ينتقل الحق في سؤال الشاهد إلى الخصم الآخر،
ليمارس حقه في مناقشة الشاهد، والبحث عن التناقضات، أو استخلاص وقائع مغايرة
تصب في مصلحة دفاعه.
أما حظر المقاطعة الوارد في النص، فهو سياج لحماية الشاهد من الإرباك،
وحماية المحامين من تداخل الأدوار.
ثانياً: الفخ الإجرائي.. الفرق بين "إبداء"
السؤال و"توجيهه"
السبب الرئيسي وراء هذا الخطأ الشائع هو خلط المحامين بين مصطلحي
"إبداء السؤال" و"توجيه السؤال" في لغة القانون:
- إبداء السؤال: هو حق أصيل للمحامين
والخصوم. ويعني مكنة المحامي في صياغة الفكرة والمضمون والسؤال الذي يرغب في
طرحه على الشاهد لخدمة موكله.
- توجيه السؤال: هو سلطة حصرية للمحكمة
أو القاضي المنتدب. فالقاضي هنا يمثل "الفلترة القانونية والقناة
المادية"؛ يتلقى السؤال الذي أبداه المحامي، يمحصه ليتأكد من إنتاجيته
وعدم خروجه عن نظام الجلسة، ثم يتولى هو ماديًا توجيهه ونطقه في مواجهة
الشاهد.
إذن، القاضي لا يخترع الأسئلة بدلاً من الخصوم، بل هو الأداة القانونية
التي تمر عبرها أسئلة المحامين إلى الشاهد.
ثالثاً: حقيقة سلطة المادة 89 والدور التعقيبي للمحكمة
قد يحتج البعض بنص المادة 89 والتي تقرر: "لرئيس الجلسة أو لأي من
أعضائها أن يوجه للشاهد مباشرة ما يراه من الأسئلة مفيدا في كشف الحقيقة".
فهل هذا النص يمنح القاضي حق الحلول محل الخصوم؟
بالتأكيد لا. والتوفيق الإجرائي السليم بين النصين يوجب فهم الآتي: سلطة المحكمة في توجيه الأسئلة مباشرة هي سلطة
تعقيبية واستيضاحية وليست استجواباً أصلياً مبتدأً. لا يجوز
للقاضي أن يعصف بالترتيب الإلزامي الوارد في المادة 87 ويبدأ بسؤال الشاهد قبل خصم
الاستشهاد؛ لأن هذه الأسبقية من النظام العام للمحاكمة العادلة وحقوق الدفاع.
تتدخل المحكمة بالأسئلة المباشرة فقط أثناء مناقشة الخصوم لتوضيح غموض طرأ
في لحظتها، أو بعد انتهاء المحامين تماماً من أسئلتهم لسد أي نقص أو عوار يكتنف
الوقائع، وصولاً لليقين القضائي.
كلمة أخيرة للسادة المحامين
إن تنازلك عن حقك في استجواب الشاهد وترك الأمر كاملاً للمحكمة هو تفريط
في أقوى أدوات الدفاع القانوني. القاضي ليس خصماً في الدعوى ليتتبع خيوط
استراتيجيتك الدفاعية، ودوره هو سماع ما تبديه من أسئلة وتوجيهها. التمسك بالترتيب
الإجرائي (خصم الاستشهاد أولاً ثم الخصم الآخر ثانياً) مع وعيك الكامل بآلية إبداء
الأسئلة، هو الفارق الحقيقي بين المحامي المحترف والمحامي المتفرج.