طيبةُ المأكل وخبثُ المآل: وقفات شرعية مع داء الجلّالة
أن الإسلام كرم الإنسان وجعل الحفاظ على صحته ونظافة بدنه وجوفه غاية أساسية، ولذلك أمر بالطيبات وحرّم الخبائث والنجاسات حمايةً له ، فأمر بكل طيب ونظيف، وحذر من كل خبيث ضار. ومن أبرز الصور التي وضعت فيها الشريعة الإسلامية ضوابط دقيقة لصحة الإنسان وسلامة بدنه، ما يُعرف في الفقه الإسلامي بـ "الحيوانات الجلالة".
مفهوم
الجلّالة ونهي الشريعة عنها
الجلّالة
هي كل حيوان مأكول -كالأنعام من إبل وبقر وغنم، أو الدواجن- يغلب على أكله
النجاسات والقاذورات كالروث والديدان وغيرها. وقد جاءت السنة النبوية المطهرة
بصريح النهي عن أكل لحومها وشرب ألبانها؛ فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال:
«نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل الجلالة وألبانها» (رواه أبو داود
والترمذي).
وقد
علل أهل العلم هذا النهي بأن ما يأكله الحيوان ينعكس على أنسجته ولحمه، فيتحول
الطيب إلى خبيث، ويدخل في قوله تعالى في وصف النبي صلى الله عليه وسلم:
{وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: 157]. فالشريعة
حريصة على أن لا يصل إلى جوف الإنسان إلا ما طهر ونظف.
رحمة
الشريعة وإمكانية التطهر (الاستبراء)
وما
يعكس مرونة الفقه الإسلامي وعمقه، أن هذا التحريم أو الكراهة ليس وصفاً ثابتاً لا
ينفك، بل هو حكم معلل مرتبط بالنجاسة والعِلّة. فإذا حُبس هذا الحيوان المنعوت
بالجلالة، وتم عزله عن القاذورات، وأُطعم طعاماً طاهراً ونظيفاً حتى يطيب لحمه
ويذهب عنه أثر النتُن (وهو ما يُعرف بالاستبراء)، فإن الوصف يزول عنه. وقد ثبت عن
الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه كان يحبس الدجاجة الجلالةأياماً ثم يأكلها .
وذلك
بشرط هام جدا
أن يكون ذلك
الحيوان او الطائر ليس جلالا بطبيعته فإن كان كذلك بطبيعته فيحبس تماما عن كل قذر
حتى روثه وحتى ديدان الارض او الحشرات لأنها لو اقتربت منه أكلها بفطرته مثل
الدجاج والبط والاوز والسمان فهذه كلها من الحيوانات القارته أى التى تتغذى على نوعين
من الطعام معاً: النباتات واللحوم (أو الأغذية النباتية والحيوانية) ، هذه
الكائنات لا تقتصر في أكلها على النباتات وحدها (كالماشية والأغنام)، ولا على
اللحوم وحدها (كالأسود والنمور)، بل تمتلك جهازاً هاضماً قادراً على الاستفادة من
النوعين فنراها تأكل الحبوب والديدان والفئران و كل الحشرات وذلك
كله مصداقا لقول الله سبحانه ) قَالَ
رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ ) (50) والبط والإوز
تحديدا بطبيعتهما شرهة ومحبة للبحث في الطين والنجاسات والديدان، وذلك بخلاف
الحمام فهو يأنف بطبيعته عن أكل القاذورات والروث والحشرات فهو يأكل الحب فقط وان
ترك حرا وفطرته الاساسية هى النظافة ولذلك هو الأبعد بطبعه عن وصف
"الجلالة" مقارنة بالدجاج والبط.
الخلاصة
إن
الإسلام دين الطهارة والنظافة، يربط بين صلاح الباطن وطهارة الغذاء. وإن اجتناب
الحيوانات التي تغذت على القاذورات، أو تطهيرها بالحبس والطعام الطيب قبل أكلها،
هو حماية بالغة لصحة الإنسان من الأضرار والسموم، وتأكيد عملي على قوله تعالى:
يَا
أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا}
[البقرة:
168